محمد بن جرير الطبري
219
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
يا محمد أصحابك عن مال اليتامى ، وخلطهم أموالهم به في النفقة والمطاعمة والمشاربة والمساكنة والخدمة ، فقل لهم : تفضلكم عليهم بإصلاحكم أموالهم من غير مرزئة شيء من أموالهم ، وغير أخذ عوض من أموالهم على إصلاحكم ذلك لهم ، خير لكم عند الله ، وأعظم لكم أجرا ، لما لكم في ذلك من الأَجر والثواب ، وخير لهم في أموالهم في عاجل دنياهم ، لما في ذلك من توفر أموالهم عليهم . وإن تخالطوهم فتشاركوهم بأموالكم أموالهم في نفقاتكم ومطاعمكم ومشاربكم ومساكنكم ، فتضمنوا من أموالهم عوضا من قيامكم بأمورهم وأسبابهم وإصلاح أموالهم ، فهم إخوانكم ، والإِخوان يعين بعضهم بعضا ، ويكنف بعضهم بعضا ؛ فذو المال يعين ذا الفاقة ، وذو القوة في الجسم يعين ذا الضعف . يقول تعالى ذكره : فأنتم أيها المؤمنون وأيتامكم كذلك إن خالطتموهم بأموالكم ، فخلطتم طعامكم بطعامهم ، وشرابكم بشرابهم وسائر أموالكم بأموالهم ، فأصبتم من أموالهم فضل مرفق بما كان منكم من قيامكم بأموالهم وولائهم ، ومعاناة أسبابهم على النظر منكم لهم نظر الأَخ الشفيق لأَخيه العامل فيما بينه وبينه بما أوجب الله عليه وألزمه ، فذلك لكم حلال ، لأَنكم إخوان بعضكم لبعض . كما : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد : وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ قال : قد يخالط الرجل أخاه . حدثني أحمد بن حازم ، قال : ثنا أبو نعيم ، قال : ثنا سفيان ، عن أبي مسكين ، عن إبراهيم ، قال : إني لأَكره أن يكون مال اليتيم كالعرة . حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا وكيع ، عن هشام الدستوائي ، عن حماد ، عن إبراهيم ، عن عائشة ، قالت : إني لأَكره أن يكون مال اليتم عندي عرة حتى أخلط طعامه بطعامي وشرابه بشرابي . فإن قال لنا قائل : وكيف قال فَإِخْوانُكُمْ فرفع الإِخوان ، وقال في موضع آخر : فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالًا أَوْ رُكْباناً . قيل : لافتراق معنييهما ، وذلك أن أيتام المؤمنين إخوان المؤمنين ، خالطهم المؤمنون بأموالهم أو لم يخالطوهم . فمعنى الكلام : وإن تخالطوهم فهم إخوانكم . والإِخوان مرفوعون بالمعنى المتروك ذكره وهو هم لدلالة الكلام عليه ، وأنه لم يرد بالإِخوان الخبر عنهم أنهم كانوا إخوانا من أجل مخالطة ولاتهم إياهم . ولو كان ذلك المراد لكانت القراءة نصبا ، وكان معناه حينئذ وإن تخالطوهم فخالطوا إخوانكم ، ولكنه قرئ رفعا لما وصفت من أنهم إخوان للمؤمنين الذين يلونهم خالطوهم أو لم يخالطوهم . وأما قوله : فَرِجالًا أَوْ رُكْباناً فنصب لأَنهما حالان للفعل غير دائبين ، ولا يصلح معهما هو ، وذلك أنك لو أظهرت هو معهما لاستحال الكلام . ألا ترى أنه لو قال قائل : إن خفت من عدوك أن تصلي قائما ، فهو راجل أو راكب لبطل المعنى المراد بالكلام ؟ وذلك أن تأويل الكلام : فإن خفتم أن تصلوا قياما من عدوكم ، فصلوا رجالا أو ركبانا ؛ ولذلك نصبه إجراء على ما قبله من الكلام كما تقول في نحوه من الكلام : أن لبست ثيابا فالبياض ، فتنصبه لأَنك تريد أن لبست ثيابا فالبس البياض ، ولست تريد الخبر عن أن جميع ما يلبس من الثياب فهو البياض ، ولو أردت الخبر عن ذلك لقلت : إن لبست ثيابا فالبياض رفعا ، إذ كان مخرج الكلام على وجه الخبر منك عن اللابس أن كل ما يلبس من الثياب فبياض ، لأَنك تريد حينئذ : إن لبست ثيابا فهي بياض . فان قال : فهل يجوز النصب في قوله : فَإِخْوانُكُمْ ؟ قيل : جائز في العربية ، فاما في القراءة فإنما منعناه لإِجماع القراء على رفعه . وأما في العربية فإنما أجزناه لأَنه يحسن معه تكرير ما يحمل في الذي قبله من الفعل فيهما : وإن تخالطوهم فإخوانكم تخالطون ؛ فيكون ذلك جائزا في كلام العرب . القول في تأويل قوله تعالى : وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ يعني تعالى ذكره بذلك : إن ربكم وإن أذن لكم في مخالطتكم اليتامى على ما أذن لكم به ، فاتقوا الله في أنفسكم أن تخالطوهم